الغزالي

43

المستصفى

وجه تضمن المقدمتين للنتيجة على معنى وجودها فيهما بالقوة فقط ، أما صيرورة النتيجة بالفعل فلا تتعلق بها القدرة ، وعند بعضهم هو كسب مقدور ، والرأي الحق في ذلك لا يليق بما نحن فيه ، والمقصود كشف الغطاء عن النظر ، وإن وجه الدليل ما هو والمدلول ما هو والنظر الصحيح ما هو ؟ والنظر الفاسد ما هو وترى الكتب مشحونات بتطويلات في هذه الألفاظ من غير شفاء ، وإنما الكشف يحصل بالطريق الذي سلكناه فقط ، فلا ينبغي أن يكون شغفك بالكلام المعتاد المشهور ، بل بالكلام المفيد الموضح ، وإن خالف المعتاد . مغالطة من منكري النظر : وهو أن يقول ما تطلب بالنظر وهو معلوم لك أم لا ؟ فإن علمت فكيف تطلب وأنت واجد وإن جهلته فإذا وجدته فبم تعرف أنه مطلوبك وكيف يطلب العبد الآبق من لا يعرفه فإنه لو وجده لم يعرف أنه مطلوبه فنقول : أخطأت في نظم شبهتك ، فإن تقسيمك ليس بحاصر إذ قلت تعرفه أو لا تعرفه ، بل هاهنا قسم ثالث وهو أني أعرفه من وجه ، وأعلمه من وجه ، وأجهله من وجه ، وأعني الآن بالمعرفة غير العلم ، فإني أفهم مفردات أجزاء المطلوب بطريق المعرفة والتصور ، وأعلم جملة النتيجة المطلوبة بالقوة لا بالفعل ، أي في قوتي أن أقبل التصديق بها بالفعل ، وأجهلها من وجه ، أي لا أعلمها بالفعل ، ولو كنت أعلمها بالفعل لما طلبتها ولو لم أعلمها بالقوة لما طمعت في أن أعلمها ، إذ ما ليس في قوتي علمه يستحيل حصوله ، كاجتماع الضدين ، ولولا أني أفهمه بالمعرفة والتصور لاجزائه المنفردة لما كنت أعلم الظفر بمطلوبي إذا وجدته ، وهو كالعبد الآبق ، فإني أعرف ذاته بالتصور وإنما أطلب مكانه ، وأنه في البيت أم لا ، وكونه في البيت أفهمه بالمعرفة والتصور ، أي أفهم البيت مفردا والكون مفردا ، وأعلمه بالقوة ، أي في قوتي أن أصدق بكونه في البيت ، وأطلب حصوله بالفعل من جهة حاسة البصر ، فإذا رأيته في البيت صدقت بكونه في البيت ، فكذلك طلبي لكون العالم حادثا إذا وجدته . الفصل الرابع في انقسام البرهان إلى برهان علة وبرهان دلالة أما برهان الدلالة فهو أن يكون الامر المتكرر في المقدمتين معلولا ومسببا ، فإن العلة والمعلول يتلازمان ، وكذلك السبب والمسبب والموجب والموجب ، فإن استدللت بالعلة على المعلول فالبرهان برهان علة ، وإن استدللت بالمعلول على العلة فهو برهان دلالة ، وكذلك لو استدللت بأحد المعلولين على الآخر . ومثال قياس العلة من المحسوسات : أن تستدل على المطر بالغيم وعلى شبع زيد بأكله ، فتقول : من أكل كثيرا فهو في الحال شبعان ، وزيد قد أكل كثيرا فهو إذا شبعان ، وإن قلت : إن كل شبعان قد أكل كثيرا وزيد شبعان ، فإذا قد أكل كثيرا ، فهذا برهان دلالة ، ومثاله من الكلام قولك : كل فعل محكم ، ففاعله عالم ، والعالم فعل محكم ، فصانعه عالم ، ومثال الاستدلال بإحدى النتيجتين على الأخرى في الفقه قولنا : الزنا يوجب حرمة المصاهرة ، لان كل وطئ لا يوجب المحرمية ، فلا يوجب الحرمة ، وهذا لا يوجب المحرمية فلا يوجب الحرمة ، فإن الحرمة والمحرمية ليست إحداهما علة للأخرى ، بل هما نتيجتا علة واحدة ، وحصول إحدى النتيجتين يدل على حصول الأخرى بواسطة العلة ، فإنها تلازم علتها والنتيجة الثانية أيضا تلازم علتها ، وملازم الملازم ملازم لا محالة ، وجميع استدلالات الفراسة